ابن أبي الحديد

294

شرح نهج البلاغة

دولة ، وهم جند لهم أبدان وأجسام ، ومناكب وكواهل ، وهامات ولحى ، وشوارب وأصوات هائلة ، ولغات فخمة ، تخرج من أجواف منكرة . وبعد ، فكأني أتفاءل جانب المشرق فإن مطلع الشمس سراج الدنيا ، ومصباح هذا الخلق . فجاء الامر كما دبر ، وكما قدر ، فإن كان الرأي الذي رأى صوابا فقد وافق الرشاد ، وطبق المفصل ، وإن كان ذلك عن رواية متقدمة ، فلم يتلق تلك الرواية إلا عن نبوة . قالوا : وأما قولكم : إن منا رجلا مكث أربعين سنة أميرا وخليفة ، فإن الامارة لا تعد فخرا مع الخلافة ، ولا تضم إليها ، ونحن نقول : إن منا رجلا مكث سبعا وأربعين سنة خليفة ، وهو أحمد الناصر بن الحسن المستضئ ، ومنا رجل مكث خمسا وأربعين سنة خليفة ، وهو عبد الله القائم ومكث أبوه أحمد القادر ثلاثا وأربعين سنة خليفة ، فملكهما أكثر من ملك بنى أمية كلهم ، وهم أربع عشرة خليفة . ويقول الطالبيون : منا رجل مكث ستين سنة خليفة وهو معد بن الطاهر صاحب مصر ، وهذه مدة لم يبلغها خليفة ولا ملك من ملوك العرب في قديم الدهر ولا في حديثه . وقلتم : لنا عاتكة بنت يزيد يكتنفها خمسة من الخلفاء ، ونحن نقول : لنا زبيدة بنت جعفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء ، جدها المنصور خليفة ، وعم أبيها السفاح خليفة وعمها المهدى خليفة ، وابن عمها الهادي خليفة ، وبعلها الرشيد خليفة ، وابنها الأمين خليفة ، وابنا بعلها المأمون والمعتصم خليفتان . قالوا : وأما ما ذكرتموه من الأعياص والعنابس فلسنا نصدقكم فيما زعمتموه أصلا بهذه التسمية ، وإنما سموا الأعياص لمكان العيص وأبى العيص والعاص وأبى العاص ، وهذه أسماؤهم ، الاعلام ليست مشتقة من أفعال لهم كريمة ولا خسيسة . وأما العنابس ،